الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
79
نفحات القرآن
الأول : هو أن يجد كل إنسان ما عمل من أفعال الخير والشرّ محضرة يوم القيامة . الثاني : هو أن يجد كل إنسان ما عمل من أعمال الخير محضرة ويود أن تكون هناك فاصلة زمانية بينه وبين أعماله السيئة ، ويرجع هذا الاختلاف في تفسير الآية إلى مكان الوقوف فيها ، فمنهم من قال : « إنّ الوقوف بعد ( محضراً ) ومنهم من قال : إنّ الوقوف بعد سوء » « 1 » . لكن النتيجة في كلا التفسيرين واحدة ، وذلك لأنّ المستفاد من المعنى الثاني أيضاً هو حضور أعماله السيئة لديه وإن كان يتمنى وجود فاصلة بينه وبينها . وقد ورد احتمال آخر لبعض المفسرين فيرى أنّ المجرمين يودون لو أنّ بينهم وبين السوء الذي عملوه أمداً بعيداً أو أن بينه وبين هذا اليوم أمداً بعيداً « 2 » . ومن المعلوم أنّ الإنسان يتمنى أن يكون بينه وبين الأمور التي ينفر منها فاصلة مكانية بعيدة ، في حين أنّ المراد ب ( أمداً بعيداً ) الذي ورد في الآية الكريمة يقصد بها الفاصلة الزمانية البعيدة . ومن الممكن أن يكون سبب هذا التعبير هو أنّ احتمال الحضور والتلاقي يكون أكثر في الفواصل المكانية ، أمّا احتماله في الفواصل الزمانية فهو معدوم . فمثلًا أنّ الشخص الذي يعيش خلال سنوات الحرب العالمية يشعر بنوع من القلق والاضطراب ، حتى وإن كان بعيداً عن ساحة العمليات العسكرية ، أمّا الذين تفصلهم فواصل زمنية ( بعيدة ) عن تلك الحرب فهم لا يشعرون بأي قلق أو اضطراب بسببها . ومن المعلوم أنّ ( الأمد ) يأتي دائماً للزمان ، ويقول الراغب في مفرداته : « إنّ معناه يقترب من معنى ( أبد ) مع فارق بسيط هو أنّ ( أبد ) زمان ليس له أي حد محدود ، أمّا ( أمد ) فهو زمان له حد مجهول » .
--> ( 1 ) . الحالة الأولى ( الواو ) وما عملت من سوء استئنافية ، أمّا الحالة الثانية فلكون الواو : عاطفة فجملة « تود » جملة حالية . ( 2 ) . ورد هذا الاحتمال في تفسير روح البيان ، ج 2 ، ص 21 ؛ وفي تفسير في ظلال القرآن ، ج 1 ، ص 569 .